بقلم: محمد القوضاضي

يحتفل الأمازيغ، في المغرب وشمال إفريقيا وعدد من بلدان المهجر، برأس السنة الأمازيغية المعروف باسم “إيض ن يناير”، الذي يصادف يوم 12-13-14 يناير من كل سنة ميلادية حسب المناطق، وهو احتفال ضارب في عمق التاريخ، يجسد الارتباط بالأرض والإنسان والذاكرة الجماعية.

ما هي السنة الأمازيغية؟

السنة الأمازيغية هي تقويم فلاحي قديم يعود تاريخه إلى حوالي 950 سنة قبل الميلاد، ويرتبط بحدث تاريخي بارز يتمثل في اعتلاء الملك الأمازيغي شيشنق الأول عرش مصر الفرعونية بعد انتصاره على الفراعنة، وهو الحدث الذي اعتمده الباحثون كنقطة انطلاق للتقويم الأمازيغي.

وبذلك، فإن السنة الأمازيغية الحالية تفوق السنة الميلادية بأكثر من 950 سنة.

أصول الاحتفال ودلالاته

يرتبط “إيض ن يناير” أساسًا بالدورة الفلاحية وبداية السنة الزراعية، حيث يشكل مناسبة للتفاؤل بسنة خصبة، مليئة بالخيرات والمحاصيل الجيدة.

وقد ارتبط الاحتفال منذ القدم بطقوس رمزية تعكس قيم العمل، الصبر، التضامن، والارتباط بالأرض، وهي قيم شكلت جوهر الثقافة الأمازيغية عبر العصور.

من يحتفل برأس السنة الأمازيغية؟

لا يقتصر الاحتفال بـ“إيض ن يناير” على الأمازيغ فقط، بل أصبح مناسبة وطنية وشعبية في بلدان شمال إفريقيا، خصوصًا المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا، إضافة إلى الجاليات الأمازيغية المقيمة بأوروبا وأمريكا الشمالية.

وفي المغرب، اكتسب هذا العيد بعدًا رسميًا وثقافيًا مهمًا، باعتباره جزءًا من الهوية الوطنية المتعددة الروافد، واعترافًا دستوريًا بالأمازيغية لغةً وثقافةً.

طقوس وعادات متوارثة

تتنوع طقوس الاحتفال من منطقة إلى أخرى، لكنها تشترك في رمزية الوفرة والتفاؤل. ومن أبرز هذه الطقوس:

إعداد أطباق تقليدية خاصة، مثل الكسكس بسبع خضر أو أطباق تعتمد على الحبوب الجافة.
تقديم المكسرات والفواكه الجافة للأطفال، في إشارة إلى سنة مليئة بالخيرات.
تنظيم تجمعات عائلية وأمسيات فنية تحييها الأغاني والرقصات الأمازيغية.

قصص وحكايات شعبية

تزخر الذاكرة الأمازيغية بحكايات مرتبطة بـ“إيض ن يناير”، من أشهرها قصة “العجوز يناير” التي تحكي عن امرأة مسنّة عاشت زمنًا طويلًا بين الفصول، واختبرت برد الشتاء وقسوته عامًا بعد عام. وفي أحد الأعوام، وبعد أن مرّت أيام يناير الأولى بهدوء نسبي، ظنّت العجوز أن الشتاء قد استسلم، وأن قسوته ولّت بلا رجعة.

خرجت العجوز متحدّية البرد، ساخرة من يناير، معتقدة أن الطبيعة لم تعد قادرة على مفاجأتها. لكنها لم تكن تعلم أن يناير، في المخيال الشعبي، ليس مجرد شهر عابر، بل رمز لقوة الطبيعة وتقلباتها. فما إن أطلقت تحديها، حتى اشتدّ البرد فجأة، وهبّت رياح قاسية، وتساقط الصقيع، لتجد العجوز نفسها عاجزة أمام قسوة الطبيعة التي استهانت بها.

لم تكن القصة مجرد حكاية عن بردٍ قاتل، بل درسًا عميقًا تناقلته الأجيال، يذكّر الإنسان بحدوده، وبأن التوازن مع الطبيعة شرط أساسي للحياة. فالعجوز يناير لم تعاقَب لضعفها، بل لغرورها واستخفافها بقوانين الكون.

ومنذ ذلك الحين، أصبحت هذه الحكاية تُروى مع حلول “إيض ن يناير”، ليس للتخويف، بل للتذكير بالحكمة، وبضرورة احترام الزمن والفصول، والتحلّي بالتواضع أمام قوى الطبيعة. إنها قصة تختصر فلسفة أمازيغية قديمة، ترى في الإنسان جزءًا من الكون، لا سيدًا عليه، وتدعو إلى العيش في انسجام مع الأرض والفصول.

كما تُروى قصص أخرى تجعل من هذا اليوم لحظة مصالحة مع الأرض، وبداية جديدة مليئة بالأمل.

احتفال بالهوية والتنوع

لم يعد رأس السنة الأمازيغية مجرد مناسبة فلكلورية، بل أصبح احتفالًا بالهوية والذاكرة والانتماء، ورسالة تؤكد أن التنوع الثقافي ثروة إنسانية، وأن الاعتراف بالموروث الأمازيغي هو اعتراف بتاريخ شمال إفريقيا بكل روافده.

وفي ظل التحولات التي يشهدها العالم، يظل “إيض ن يناير” مناسبة لاستحضار قيم العيش المشترك، والتشبث بالجذور، والانفتاح على المستقبل بروح متصالحة مع الذات والتاريخ.

يض ن يناير 2976 : رسالة للمستقبل

يمثل “إيض ن يناير” أكثر من مجرد محطة زمنية أو طقس احتفالي متوارث؛ إنه رسالة حضارية وإنسانية تحمل في طياتها معاني الاستمرارية والتجدد. فهذا العيد يُجسّد فكرة أن الزمن ليس قطيعة مع الماضي، بل امتداد له، وأن الاحتفاء بالجذور الثقافية يشكل رافعة لبناء مستقبل أكثر وعيًا وتوازنًا. ومن خلال استحضار الذاكرة الأمازيغية، يبرز “إيض ن يناير” كدعوة صريحة للاعتراف بالتنوع الثقافي باعتباره مصدر قوة وغنى، لا سببًا للتفرقة أو الإقصاء.

وفي عالم معاصر يشهد تحولات متسارعة، وتحديات متزايدة مرتبطة بالعولمة، والهوية، والتغيرات المناخية، يعيد “إيض ن يناير” طرح أسئلة جوهرية حول علاقة الإنسان بالأرض، وبالزمن، وبالآخر. فهو يذكّر بقيم الانسجام مع الطبيعة، واحترام إيقاعها، والتواضع أمام قوانينها، وهي قيم تكتسي اليوم أهمية مضاعفة في ظل الأزمات البيئية التي يعرفها العالم.

كما يحمل هذا العيد رسالة اجتماعية واضحة، مفادها أن العيش المشترك لا يتحقق إلا بالاعتراف المتبادل والاحترام المتبادل، وأن المجتمعات القوية هي تلك التي تصون ذاكرتها الجماعية وتفتح في الآن ذاته آفاقًا رحبة للأجيال الصاعدة. فـ“إيض ن يناير” ليس عودة إلى الماضي بقدر ما هو استلهام لحكمته، وتوظيف لقيمه في صياغة مستقبل يقوم على التوازن، والتضامن، والسلم الاجتماعي.

وهكذا، يتحول رأس السنة الأمازيغية من مناسبة احتفالية إلى منصة رمزية للتفكير في المستقبل، ومن لحظة فرح جماعي إلى رسالة أمل، تؤكد أن احترام التعدد الثقافي، والتصالح مع التاريخ، هما السبيل لبناء عالم أكثر إنسانية وعدلًا وانسجامًا.